Links About us إتصل بنا جماعة الإخوة الدارسين دير سيّدة طاميش الرهبانية اللبنانية المارونية الصفحة الرئيسية
 
   
 
مقالات

الموت طاعة

المقدّمة

الهدف الوحيد الذي من أجله يولد كلّ إنسان، هو الاتّحاد بالله. ولكلّ إنسانٍ طريقٌ خاصٌّ للوصول إلى هذا الهدف السامي. ولكن علينا أن نعي دائمًا أنّ هذا الاتّحاد بالله يبقى متقطّعًا هنا في هذه الحياة (طبعًا من جهتنا نحن) بسبب ضعفنا البشريّ. ولا يصبح ثابتًا إلاّ في الحياة الثانية، "الحياة الأبديّة" التي كلّمنا عنها ووعدنا بها المعلّم الأوحد "يسوع المسيح"، (اللهمّ إن كنّا أناسًا ملتزمين بتعليم هذا المعلّم). إذًا، لكي يصبح هذا الاتّحاد ثابتًا، ولا يتأثّر بأيّ ضعفٍ بشريّ، على الإنسان أن يَعْبُرَ إلى الحياة الابديّة حيث يصبح وجهًا لوجهٍ مع المسيح. ولكن كيف؟ الجواب هو: بواسطة "الموت". نعم، لا بدّ لنا من المرور "بالموت". والشيء الأكيد (أقلّه عندنا كمسيحيّين) هو أنّ هذه المرحلة هي مرحلةٌ إنتقاليّة، هي عبور، وليست كما يفترضها البعض "نهايةً" لكلّ شيء.

بعد هذه المقدّمة البسيطة، أُورد أسماءَ بعض الأبطال الذين تغلّبوا على الموت، على مثال المسيح. أوّلاً القديس إسطفانوس رئيس الشمامسة الذي كان "ممتلئًا من الإيمان والروح القدس" (أع6: 5) "من النعمة والقدرة" (أع 8:6)، أدرك ملء اليقين أنّ الموت الفعليّ هو عبورٌ إلى الحقيقة الكاملة. فكان استشهاده بسلام، طالبًا الغفران لراجميه (أع6:7) كما فعل المعلّم تجاه صالبيه (لو34:23). القديس إغناطيوس الإنطاكيّ الذي رغب الاستشهاد ليصبح كالقربان بين أنياب الأسود: "إنّي أضرع إليكم راجيًا أن تضعوا عطفكم جانبًا لأنّه لا يفيدني. أتركوني فريسةً للوحوش. إنّها هي التي ستوصلني سريعًا إلى الله ... أَغروا الوحوش لتصير قبرًا لي فلا تترك شيئًا من جسدي، إضرعوا إلى المسيح حتى يجعل من الوحوش واسطةً لأكون قربانًا لله" (الرسالة إلى الرومانيّين). من يجرؤ أن يكون طعامًا للأسود، وبكامل حرّيته، سوى الذي ثبّتت عيونه نحو الفادي. لقد أدرك إغناطيوس الإنطاكيّ، مدى محبّة الله الفريدة له، فلم يستطع إلاّ أن ينحني ويتواضع ويدرك أن لا سعادة بعيدًا عن المسيح، فكان مستعدًا للموت "بين أنياب الأسود". والمثل الأخير وهو الأقرب زمنيًّا، الأب ماكسيميليان كولبي، الراهب الفرنسسكانيّ الذي اعتُقل داخل أسوار "معتقل أَوْشفِتْز" الخاضع للسيطرة النازيّة آنذاك. فالأب كولبي أراد، وبكامل حرّيته، أن يفتدي رجلاً كان عليه أن يدخل الغرفة الإفراديّة ويبقى بداخلها حتّى الموت، الموت جوعًا. ما من إنسان عاقل يستطيع أن يقوم بما قام به الأب كولبي إلاّ إن جُنَّ جنونه. ما من إنسانٍ يستطيع "أن يبذل نفسه في سبيل أحبّائه" (يو13:15)، إلاّ إذا كان المسيح هو معلّمه ومثاله الوحيد، فقد قال يسوع في إنجيل يوحنّا "إنّكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو15/5). دخل الأب كولبي إلى غرفته الإفراديّة بسكينةٍ لم يُشهَد لها مثيلٌ من قبل. دخل وهو يسبّح الرب من كلّ قلبه. تواضع وأطاع المسيح حتّى الموت، الموت عن غيره وقد أدرك بأنّ في موته حياةً للآخرين، فالحياة أقوى من الموت. أولئك القدّيسون الأبطال الذين ذكرتهم (وغيرهم كثيرون) ماتوا طوعًا حبًّا بالمسيح، مدركين أنّهم إن ماتوا مع المسيح يقومون معه.

في الواقع، ليس الموت بالأمر السهل! ولكنّنا نرى، على مرّ التاريخ، أشخاصًا وَضعوا المسيح نُصْبَ أعينهم، المسيح فقط، إنجذبوا إليه بحيث قَلَبوا جميع المقاييس البشريّة تمثّلاً به، هو "المعلّم" (يو13: 14-15). فالمسيحيّ هو بطلٌ في الحياة. نحن ندرك ونعلم أنّ الإنسان بطبعه يتوق إلى المطلق. فالهندوس اعتقدوا أنّ الفترة الزمنيّة المعطاة لهم في هذه الحياة ليست كافيةً للوصول إلى ذاك المطلق، فكانوا مقتنعين بأنّه لا بدّ لهم أن يعودوا من جديدٍ لاستكمال ما لم يستطيعوا أن يُنهوه في مرورهم في هذه الحياة للمرّة الأولى. فمن هنا كانت فكرة التقمّص التي ما اختُرِعَت عن عبث. وهنا المفارقة وقوّة المسيحيّ البطل، المتّكل على المسيح، الذي في حياةٍ واحدةٍ لا غير، في هذه الفترة الزمنيّة القصيرة والمحدودة، يمكنه الاتّحاد بالمطلق الذي هو الله.

أعتقد بأنّه لا يحقّ أبدًا لأيِّ مسيحيٍّ أن يموت كباقي البشر. لا بدّ وأن يكون هناك ما يميّزه عن غيره. فالمسيحي يموت على رجاء القيامة، واثقًا بأنّ المسيح في انتظاره في المجد الأبديّ. على المسيحيّ ألاّ يعيش بخوفٍ من المستقبل. حتى وعلى الرغم من عدم وضوح الأمور وضوحًا ساطعًا جليًّا، ولكن كمسيحيٍّ عليه أن يثق بكلام "المعلّم" الذي قال :"إنّي أذهب لأهيّئ لكم مكانًا. وإذا ذهبت وهيّأت لكم مكانًا، أعود وآخذكم إليّ، لتكونوا أنتم أيضًا حيث أكون أنا" (يو 14/2-3). عليه أن يقتنع بأنّ حياته الحقيقيّة تبدأ حيث تنتهي غربته في هذه الحياة الزائلة. ولكن عليه أن يعمل بجدٍّ. عليه أن يكون دائم اليقظة للوصول إلى تلك الحياة، التي هي اتّحادٌ دائمٌ "بالضروريّ الأوحد"، يسوع المسيح الذي "صار مطيعًا حتّى الموت، الموت على الصليب" (فل 2/8)، لأنّه كان عليه أن يتمّم الكتب (أش26: 54)، فكان موتُه طاعةً للآب. "صار مطيعًا" بموته من أجل خلاص البشر لكي يحرّرنا من سلطان الموت، من الأعمال الميّتة (عب6: 1؛ 9؛ 14) ويصالحنا مع الله (رو5: 10). فإذا كان المسيح الذي هو مثالي الأوّل في الحياة قد أطاع حتّى الموت، قد مات طوعًا، فكيف بالحريّ أنا الذي أسعى وبكامل حرّيتي إلى التشبّه به، أن أموت على مثاله.

إذا كنت طيلة حياتي أسعى لأكتشف مشيئة الله وأعمل بها وأتوق إلى الاتّحاد الكامل بالمسيح الحيّ لأبلغ الحياة الأبديّة، فعليّ أن أتقبّل الموت طوعًا، وإلاّ أكون قد خسرت كلّ شيء، هنا وهناك. أكون عندها من القائلين بأنّ الموت ما هو إلاّ نهاية، وبموتي أنتهي في العدم، وهو أمرٌ مرفوضٌ عندي كمسيحيٍّ حقيقيّ. فالموت هو ضمن التدبير الخلاصيّ لأنّه السبيل الوحيد للوصول إلى الحياة الأبديّة. فإذا كنت عضوًا في هذا التدبير، فلا بدّ أن يصبح الموت جزءًا من حياتي؛ ولكنّ تقبّلي له أو عدم تقبّله مرتبط بعلاقتي بالمسيح الذي هو محور هذا التدبير وبه حصرًا يتمّ الخلاص. فبقدر ما أكون قريبًا منه، وعلاقتي به متينةٌ وثابتة، بقدر ما أكون قابلاً للانتقال معه إلى مرحلةٍ جديدة. فأنا مع المسيح وبالمسيح ومن أجل المسيح أخوض هذه المعركة، هذا التحدّي مع قوى الشر التي تقف حاجزًا في طريقي للوصول إلى الله الثالوث.

الخاتمة

المسيحيّ الحقيقيّ هو الذي يعتبر دائمًا كما الرسول بولس أن "الموت ربحٌ"، لأنّه من خلاله سيصبح ممجّدًا مع المسيح الممجّد، ويتمتّع إلى الأبد بـ "ما لم تره عين، ولم تسمع به أذن، ولم يخطر على قلب بشر". هذا ما أعدّه المسيح للذين أدركوا محبّته الخالصة لهم وما استطاعوا في حياتهم إلاّ ان يحبّوه ويفتّشوا عن مشيئته، وطاعته حتى الموت، طريق المجد الأبدي، لمن يحفظ كلام الرّب، حيث لا يرى الموت إلى الأبد.

 سليمان شحاده

 

"أيّام غربتي في الأرض مئةٌ وثلاثون سنة" (تك47/9)

          عند وصول "يعقوب وبنيه إلى مصر، أدخل يوسف أباه فأقامه أمام فرعون، فقال له فرعون: "كم لك من العمر"؟ فأجابه يعقوب: "أيّام غربتي مئة وثلاثين سنة". يا له من جواب! بعد هذا الجواب لا بدّ لنا أن نتساءل: ما هي حياتي هنا؟ ما هو سبب وجودنا على هذه الأرض، في هذا العالم الذي نعيش فيه وكأنّنا سوف نبقى فيه للأبد، ولن نموت؟ نتعلّق بأشياء كثيرة، وفي بعض الأحيان تكون تافهةً وبدون أيّ فائدة وفانية. لكن رغم كل تعلّقنا، يأتي يومٌ ونغادر هذا العالم، نموت.  فماذا بعد ذلك؟

          يقول يسوع لتلاميذه: "في بيت أبي منازل كثيرة، وإلاّ لما قلته لكم: أنا ذاهبٌ لأعدّ لكم مكانًا. وإذا ما ذهبت وأعددت لكم مكانًا، أعود وآخذكم إليّ، لتكونوا أنتم أيضًا حيث أكون أنا" (يو14/ 2-3). ويقول كاتب الرسالة إلى العبرانيّين: "ما لنا هنا في الأرض مدينة باقية، ولكنّنا نسعى إلى مدينة المستقبل" (عب13/ 14). فمن خلال كلمة الله، نعرف أنّا لسنا باقين على هذه الأرض، نعرف أنّ هذه الأرض ليست أرضنا، وإنّما أرضنا هي ما نترجّاه، أي "الحياة الجديدة".

الرسول بولس يوصينا أن "عيشوا مدّة غربتكم في مخافة الله" (1بط1/ 17). إذًا نحن في غربة. صعبةٌ هي الغربة! ليست بالأمر السهل،  وهي تحتّم علينا الدخول من "الباب الضيّق" (مت7/ 13). ولكن، بعض الأحيان هناك الكثيرون من الأشخاص لا يستطيعون أن يتحمّلوها، لا يطيقوها. فالغربة هي تخلٍّ عن أرض، عن أهل، عن إخوةٍ وأخوات، عن أحبّاء وعن أشياءَ كثيرةٍ عزيزةٍ على قلب الإنسان. أعرف شابًا اضطرّ إلى السفر، لكي يجني المال، ليؤمّن مستقبله، ويعود يستقرّ بين أهله وأحبّائه. هو يتعب ويعاني كثيرًا، ومعاناته هي مزدوجة، معانات نفسيّة وجسديّة. باختصار، لا راحة له! فهو في سعيٍ دائمٍ لتحقيق هدفه، وسلاحه الوحيد الصبر والشجاعة. نحن المسيحيّين، علينا أيضًا أن نعمل بكدٍّ وتعب لكي نستطيع أن نحقّق هدفنا. هدفنا السامي الذي هو اللقاء "وجهًا لوجه" مع المسيح، "الضروري الأوحد". وبالتالي، هذا اللقاء يتطلّب منّا الكثير من عدم الراحة. هل نجرؤ على المغامرة بكلِّ شيء لأجله؟ هل نجرؤ على التخلّي وفقَ منطق المصلوب، منطق الإمّحاء الكامل والغفران بدون حدود وبدون شروط (مت18/ 22)؟ هناك كلمة مرور، وهي "المحبّة". المحبّة التي هي خلاصة الشريعة وكلام الأنبياء. طبعًا، هذه المحبّة ليست بالأمر السهل. فهي تؤلم، كالنار التي يمحّص فيها الذهب. "كم عذّبتنا عندما علّمتنا المحبّة" (حسّاية في زمن الدنح)، فعلاً كم عذّبتنا! فـ "المحبّة تتانّى وترفق، المحبّة لا تحسد ولا تتباهى، لا تنتفخ ولا تأتي قباحة، لا تلتمس ما هو لها، لا تحتدّ، لا تظنّ السوء، لا تفرح بالظلم بل تفرح بالحقّ، تحتمل كلّ شيئ، تصدّق كلّ شيء، ترجو كلّ شيء وتصبر على كلّ شيء" (1كو13/4-7).  ولكن عمليًّا على الارض، وللأسف! نحن نعيش في عالمٍ تطغى عليه، في أغلب الاحيان "شريعة الغاب": حيث الأخ يقتل اخاه، حيث الصديق يغدر بصديقه. بمختصر، نعيش في عالم قَلَّة فيه المحبّة. إنّما، ووسط كل هذا الشر، علينا كمسيحيّين أن نعيش ما اوصانا به المسيح "المعلّم": "وصيّةً جديدةً أعطيكم، أن تحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم" (يو13/ 34). كيف؟ قالها لنا المسيح: "إنّكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو15/ 5). إذًا، باتّكالي على المسيح، أستطيع أن أتخطّى جميع الحواجز التي تعترضني، فهو الذي قال: "تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والرازحين تحت أثقالكم وأنا أريحكم" (مت11/ 28)  فهو ليس كعلماء الشريعة الذين قال عنهم "تحمّلون الناس أحمالاً ثقيلة ولا تمدّون إصبعًا واحدةً لتساعدوهم على حَملها" (لو11/ 47)، إنّما على العكس.  

          أختم مستشهدًا بالرسالة إلى ديوغنس (حوالي القرن الرابع)، "لا وطن، لا لغة ولا لباس يميّز المسيحيّين عن سائر الناس. لا يقطنون مدنًا خاصّة بهم، ولا يتفرّدون بلهجةٍ تخرج عن المألوف من اللّهجات. يقيم كلٌّ منهم في وطنه، إنّما كغريبٍ مضاف، كلّ أرضٍ غريبةٍ وطنٌ لهم، وكلّ وطنٍ أرضٌ غريبة. يصرفون العمر على الأرض، إلاّ أنّهم من مواطني السماء. يمتثلون للشرائع القائمة، إلاّ أنّ نمط حياتهم يسمو كمالاً على الشرائع. يتودّدون إلى الجميع، والجميع يضطهدونهم ويتنكّرون لهم ويحكمون عليهم، وبموتهم يرثون الحياة". 

 

 سليمان شحاده

         

         

 
دليل الاخوة
 
مقالات
 
CD
 
مجلة الأمل